إن ما تكتبه صباح سنهوري ، ليس مختلفاً عن ما قرأتُه و لكنه محتلف
عن ما يكتبونه ، إنه يعجبني ، استطاعت ان تلتقط الروح العامة لزمنها ، و
لكن أيضاً ربما تكون الروح العامة لزمنها قد سقطت كتفاحة نبوتن صدفة في
يدها ، فهذه البنت تقف في الاماكن المهجورة و اللامغرية بالوقوف عندها ،
الاماكن التي يريد كُــتَّــاب الحياة بلا براز - الذين لا احبهم -
أن يقنعونا انها لم تعد موجودة و لم تكن موجودة ، إنها تقف ليلاً تحت
الأشجار و تهتف : "لقد عرفت ما الذي يُغضب الهنا منّا كل يوم، أنها الأشجار
..! لا تزرعو بعد اليوم عليكم اللعنة! " ، حسناً هنالك دائماً ناجون
تتركهم الكارثة ليرووها للناس ، الناس باعتبارهم مادة خام لا غنى للكارثة
عنها ، و باعتبارهم سماد الأشجار الوحيد . انظروا إلى صباح سنهوري ! إنها
لم تتأذى كان كارثة لم تحصل ! استمعوا إلى ابن دريد يقول في مقصورته :
" لاتعجبن من هالك كيف هوى بل فاعجبن من سالم كيف نجا "
الآن عرفت لماذا نفدت بجلدها الذي " صار لونه قرمزياً " من المحرقة ؛
فعندما كنا نحن الاطفال البلهاء المهذبون نتحول بكامل براءتنا و شجيرات
مدارسنا الصغيرة - التي لا تغضب الله- و العصافير التي تتثاءب على أغصانها ،
عندما نتحول جميعاً لصدى امين لصوت بلحية غير معتنى بها عمدا و نردد : " فلترق كل الدماء ، فلترق كل الدماء
" كانت صباح سنهوري برأسها الكبير الحجم و الصلب و كرهها الغريزي
للواجبات و الإملاء تبقي فمها موصداً بإحكام . فمها الذي استعارته من حارس
بوابة سنَّار الذي أفلت منها بعام واحد راحلاً إلى البعيد البعيد بعد أن
غنى بلسان و صلى بلسان ، تاركاً إياها تحيا بلسان و تكتب بلسان . ما
كان أحوجنا نحن الأطفال البلهاء و عصافيرنا المتثاءبة إلى كرة فراء نضعها
فوق الفم الصارخ : " فلترق كل الدماء " او نضعها فوق
الثقوب الواسعة التي يحدثها اختراق الصوت الملتحي لقلوبنا التي كانت هشة .
ما كان أحوجنا إلى رؤوس كبيرة الحجم و صلبة .
هي و القلة القليلة التي نجت من الكارثة يحلقون عالياً بآلاف الأميال
فوق ما نكتبه ، نحن الذين مستنا نار المحرقة أياماً معدودات ، فعندما
وضعنا على ثقوبنا النضاحة (كرة فراء ) كانت صباح سنهوري تطوف في أعاليها هناك غير آبهة بالشراشف و مديرة ظهرها نهائياً للون الأسود . و لهذا حسدناها و تهكمنا على عزلتها ، عزلتها التي أشهر رجال الحياة بلا براز - الذين لا احبهم - أقلامهم الصدئة في وجها ، ليشقوا بطن العزلة و يستخرجوا البيضات الذهبية منها دفعة واحدة .هي تكتب و نحن نولول ، نحن جيل الولولة
، لأن ما نكتبه ضحلٌ و مزركش و مصطنع كالمنولوجات المنمقة التي تؤديها
النساء في مآتم الجيران . نحن جيل ( الحي ووب ) ؛ لأننا كنا نسمع و نردد ،
استطيع أن اتخيل صباح الآن ، هناك في البعيد و قد ازداد رأسها حجماً و
صلابة ، استطيع أن اتخيل الصوت الملتحي الذي كان ينعق : " فلترق كل الدماء " يهمس ساخراً : طوبى لمن سمع و تجاهل ،طوبى لصباح و القلة الناجية .
الأمر ليس مرتبطاً باللغة ، لا بالأسلوب أو الحبكة و غيره ، فهذه
الأشياء يستطيع أي ( مُـولول) اطلع على كتاب مدرسي للأغبياء اتقانها و
توظيفها ، الأمر متعلق بالتقاط صباح الموفق لروح الوقت العام ، الوقت
الشاغر : لا ناس و لا هواء وقت الإنقطاع و الأغتراب الجماعي عن الذات ، وقت
السكون الذي لا يعكره إلا حفيف رصاصة تطلقها الكارثة صوب احد الناجين "
فالنمل لا يستطيع ان يقاوم العسل " وقت البحث اللامجدي عن شئ ما و شخص ما
ذي قيمة ، الوقت الذي تبدد في التحديق البائس في الصور التذكارية ، التي
تحنط أوقاتاً منسية و ملعونة و مُـتنكرٌ لها ، وقت العزلة عن الوقت .
بحثت صباح سنهوري عن ما يمكن ان تكتب عنه في الفراغ الكبير ، كتبت عن
الفراغ الكبير نفسه و واصلت بحثها ، وجدت ما وجده الذين نجت أرواحهم من
قبلها ، وجدت الوحدة القاتلة لتوماس إليوت في زحام لندن حتى كتب ( الأرض اليباب ) ناقلاً نفسه من عالم لعالم ، و ناقلاً الشعر من عالم لعالم ، وجدت ما وجده بدر شاكر السياب و محمد الماغوط فشهدا عليه صارخين :
" لا أحد في البيت
لا احد في الطريق
لا احد في العالم ."
انظروا الآن مرة اخرى إلى صباح سنهوري إنها تعود منهكة إلى (حواف ) ذاتها ، تعود منهكة بطريق أصفر و الوقت ليل إلى الأبد ، و تتمتم : " السماء ليست إلهاً " و تكتب بما يجعل رجال الحياة بلا براز
- الذين لا أحبهم - يتقبأون ؛ صوناً للعرض : عن حزنها و حبها الذي لا
يعرفه أحد ، عن الصباح الذي اشتاقت إليه ليجعل روحها ترقص مغتبطة بالجاز ، و لتتذكر صديقها الشاعر الذي احبته سراً ، أما الآن و ريثما يأتي الصباح فانظروا إلى صباح سنهوري إن موسيقى الريغي تجرها جرا نحو البكاء .
ليس فيما تكتبه صباح سنهوري حيزاً للمرض الذي صار عادة بين المولولين ،
فهي معافاة من ذلك القذف المبكر للدلالة الذي أفسد علينا لذة الكتابة و
القراءة معاً ، ما يأسرني و سيظل يأسرني في ما تكتبه ليس مقدرتها على جعلك
تنتظر الدلالة حتى النهاية فحسب ، بل مقدرتها على تحويل النهاية إلى بداية
جديدة لنص جديد يشرع فوراً في كتابة ذاته في ذاتك .
و الآن انظروا من بئر الهمجية الذي استقرت فيه الكتابة بعد أن صارت
ولولةً منافقة ، إلى تلك اليد النحيلة ، البارعة ، الحانية ، التي تنتشل
وردةً من البئر كل مرة ، إنها صباح سنهوري تأتي بين الرصاصة و الرصاصة ؛
لتدلق دلواً من الماء ؛ لتبقي وردة الكتابة المحتملة بين أشواك الولولة
منتعشة ، و لتزيح كرة الفراء الضخمة التي وضعوها لتموت الوردة ظمأَ ، كرة الفراء وضعتها الأيادي التي كانت تلوح فوق الأفواه التي كانت تهتف : " فلترق كل الدماء ! " ، اليد التي تبقي الوردة منتعشة ألطف من ان تفعل شيئاً سيئاً ، هذه اليد تكتب فقط ، ليس مجرد حبر بل كتابة لا ولولة منافقة .
شمبات جنوب
18 Jan 2013
ما تكتبه لا يقل عما تكتب عنه
ردحذفمتعا متداخلة متناغمة ... شكرا كتييييير