الأربعاء، 23 يناير 2013
حواف صباح سنهوري الزلقة
إن ما تكتبه صباح سنهوري ، ليس مختلفاً عن ما قرأتُه و لكنه محتلف عن ما يكتبونه ، إنه يعجبني ، استطاعت ان تلتقط الروح العامة لزمنها ، و لكن أيضاً ربما تكون الروح العامة لزمنها قد سقطت كتفاحة نبوتن صدفة في يدها ، فهذه البنت تقف في الاماكن المهجورة و اللامغرية بالوقوف عندها ، الاماكن التي يريد كُــتَّــاب الحياة بلا براز - الذين لا احبهم - أن يقنعونا انها لم تعد موجودة و لم تكن موجودة ، إنها تقف ليلاً تحت الأشجار و تهتف : "لقد عرفت ما الذي يُغضب الهنا منّا كل يوم، أنها الأشجار ..! لا تزرعو بعد اليوم عليكم اللعنة! " ، حسناً هنالك دائماً ناجون تتركهم الكارثة ليرووها للناس ، الناس باعتبارهم مادة خام لا غنى للكارثة عنها ، و باعتبارهم سماد الأشجار الوحيد . انظروا إلى صباح سنهوري ! إنها لم تتأذى كان كارثة لم تحصل ! استمعوا إلى ابن دريد يقول في مقصورته :
" لاتعجبن من هالك كيف هوى بل فاعجبن من سالم كيف نجا "
الآن عرفت لماذا نفدت بجلدها الذي " صار لونه قرمزياً " من المحرقة ؛ فعندما كنا نحن الاطفال البلهاء المهذبون نتحول بكامل براءتنا و شجيرات مدارسنا الصغيرة - التي لا تغضب الله- و العصافير التي تتثاءب على أغصانها ، عندما نتحول جميعاً لصدى امين لصوت بلحية غير معتنى بها عمدا و نردد : " فلترق كل الدماء ، فلترق كل الدماء " كانت صباح سنهوري برأسها الكبير الحجم و الصلب و كرهها الغريزي للواجبات و الإملاء تبقي فمها موصداً بإحكام . فمها الذي استعارته من حارس بوابة سنَّار الذي أفلت منها بعام واحد راحلاً إلى البعيد البعيد بعد أن غنى بلسان و صلى بلسان ، تاركاً إياها تحيا بلسان و تكتب بلسان . ما كان أحوجنا نحن الأطفال البلهاء و عصافيرنا المتثاءبة إلى كرة فراء نضعها فوق الفم الصارخ : " فلترق كل الدماء " او نضعها فوق الثقوب الواسعة التي يحدثها اختراق الصوت الملتحي لقلوبنا التي كانت هشة . ما كان أحوجنا إلى رؤوس كبيرة الحجم و صلبة .
هي و القلة القليلة التي نجت من الكارثة يحلقون عالياً بآلاف الأميال فوق ما نكتبه ، نحن الذين مستنا نار المحرقة أياماً معدودات ، فعندما وضعنا على ثقوبنا النضاحة (كرة فراء ) كانت صباح سنهوري تطوف في أعاليها هناك غير آبهة بالشراشف و مديرة ظهرها نهائياً للون الأسود . و لهذا حسدناها و تهكمنا على عزلتها ، عزلتها التي أشهر رجال الحياة بلا براز - الذين لا احبهم - أقلامهم الصدئة في وجها ، ليشقوا بطن العزلة و يستخرجوا البيضات الذهبية منها دفعة واحدة .هي تكتب و نحن نولول ، نحن جيل الولولة ، لأن ما نكتبه ضحلٌ و مزركش و مصطنع كالمنولوجات المنمقة التي تؤديها النساء في مآتم الجيران . نحن جيل ( الحي ووب ) ؛ لأننا كنا نسمع و نردد ، استطيع أن اتخيل صباح الآن ، هناك في البعيد و قد ازداد رأسها حجماً و صلابة ، استطيع أن اتخيل الصوت الملتحي الذي كان ينعق : " فلترق كل الدماء " يهمس ساخراً : طوبى لمن سمع و تجاهل ،طوبى لصباح و القلة الناجية .
الأمر ليس مرتبطاً باللغة ، لا بالأسلوب أو الحبكة و غيره ، فهذه الأشياء يستطيع أي ( مُـولول) اطلع على كتاب مدرسي للأغبياء اتقانها و توظيفها ، الأمر متعلق بالتقاط صباح الموفق لروح الوقت العام ، الوقت الشاغر : لا ناس و لا هواء وقت الإنقطاع و الأغتراب الجماعي عن الذات ، وقت السكون الذي لا يعكره إلا حفيف رصاصة تطلقها الكارثة صوب احد الناجين " فالنمل لا يستطيع ان يقاوم العسل " وقت البحث اللامجدي عن شئ ما و شخص ما ذي قيمة ، الوقت الذي تبدد في التحديق البائس في الصور التذكارية ، التي تحنط أوقاتاً منسية و ملعونة و مُـتنكرٌ لها ، وقت العزلة عن الوقت .
بحثت صباح سنهوري عن ما يمكن ان تكتب عنه في الفراغ الكبير ، كتبت عن الفراغ الكبير نفسه و واصلت بحثها ، وجدت ما وجده الذين نجت أرواحهم من قبلها ، وجدت الوحدة القاتلة لتوماس إليوت في زحام لندن حتى كتب ( الأرض اليباب ) ناقلاً نفسه من عالم لعالم ، و ناقلاً الشعر من عالم لعالم ، وجدت ما وجده بدر شاكر السياب و محمد الماغوط فشهدا عليه صارخين :
" لا أحد في البيت
لا احد في الطريق
لا احد في العالم ."
انظروا الآن مرة اخرى إلى صباح سنهوري إنها تعود منهكة إلى (حواف ) ذاتها ، تعود منهكة بطريق أصفر و الوقت ليل إلى الأبد ، و تتمتم : " السماء ليست إلهاً " و تكتب بما يجعل رجال الحياة بلا براز - الذين لا أحبهم - يتقبأون ؛ صوناً للعرض : عن حزنها و حبها الذي لا يعرفه أحد ، عن الصباح الذي اشتاقت إليه ليجعل روحها ترقص مغتبطة بالجاز ، و لتتذكر صديقها الشاعر الذي احبته سراً ، أما الآن و ريثما يأتي الصباح فانظروا إلى صباح سنهوري إن موسيقى الريغي تجرها جرا نحو البكاء .
ليس فيما تكتبه صباح سنهوري حيزاً للمرض الذي صار عادة بين المولولين ، فهي معافاة من ذلك القذف المبكر للدلالة الذي أفسد علينا لذة الكتابة و القراءة معاً ، ما يأسرني و سيظل يأسرني في ما تكتبه ليس مقدرتها على جعلك تنتظر الدلالة حتى النهاية فحسب ، بل مقدرتها على تحويل النهاية إلى بداية جديدة لنص جديد يشرع فوراً في كتابة ذاته في ذاتك .
و الآن انظروا من بئر الهمجية الذي استقرت فيه الكتابة بعد أن صارت ولولةً منافقة ، إلى تلك اليد النحيلة ، البارعة ، الحانية ، التي تنتشل وردةً من البئر كل مرة ، إنها صباح سنهوري تأتي بين الرصاصة و الرصاصة ؛ لتدلق دلواً من الماء ؛ لتبقي وردة الكتابة المحتملة بين أشواك الولولة منتعشة ، و لتزيح كرة الفراء الضخمة التي وضعوها لتموت الوردة ظمأَ ، كرة الفراء وضعتها الأيادي التي كانت تلوح فوق الأفواه التي كانت تهتف : " فلترق كل الدماء ! " ، اليد التي تبقي الوردة منتعشة ألطف من ان تفعل شيئاً سيئاً ، هذه اليد تكتب فقط ، ليس مجرد حبر بل كتابة لا ولولة منافقة .
شمبات جنوب
18 Jan 2013
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)